رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

160

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

حديث الإمام الصادق عليه السلام حيث قال : « وجود الأفاعيل دَلَّ على أنّ صانعها صنعها » . « 1 » وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة من خطب نهج البلاغة : « وهل يكونُ بناءٌ من غير بانٍ ، أو جنايةٌ من غير جانٍ » الحديث . « 2 » فيتذلّل لمورد تلك الأحوال تذلّلًا طبيعيّاً تسخيريّاً ، وإن تجبّر وتعظّم فإنّما ذلك تكلّف منه لمصلحة الوقت والقلب خاضع ذليل ، اللّهمّ إلّاأن تأخذه نشأةُ الغفلة ، وتغشاه سكرةُ التَرَف ، على أنّه مهما اتّفق ذلك لم يمتدّ بمقتضى الحكمة أكثرَ من زمان يسير ، حتّى أفاق وتنبّه بتذلّله التسخيري لربّه المليك القادر القاهر ، ولو لم يكن منبّه إلّا الاضطرار إلى الخلأ واستشمام الرائحة الخبيثة المنتنة لكفى . وإلى هذا الوجه من العلم وقعت الإشارة فيما حكى ابن أبي العوجاء لصاحبه ابن المقفّع حيث قال : فقلت له - يعني الصادق عليه السلام - : ما مَنَعَهُ إن كان الأمر كما تقولون أن يَظهَر لخَلْقه ، ويَدعُوَهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ؟ ولِمَ احتجبَ عنهم وأرسلَ إليهم الرُّسل ؟ ولو باشَرَهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟ فقال لي : « ويلك ، وكيف احتجب عنك من أراك قدرتَه في نفسك : نشوءَك ولم تكن ، وكِبَرَك بعد صِغَرِك ، وقوّتَك بعد ضَعْفِك ، وضعفَك بعد قوّتك ، وسُقمَك بعد صحّتك ، وصحَّتَك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبَك بعد رضاك ، وحُزنَك بعد فَرَحِك وفَرَحَك بعد حُزنِك ، وحُبَّك بعد غضبك وبغضَك بعد حبّك ، وعزمَك بعد أناتك ، وأناتَك بعد عزمك ، وشهوتَك بعد كراهتَك ، وكراهتَك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتَك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأسك ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطِرَك بما لم يكن في وَهْمك ، وعُزوب ما أنت مُعتَقِدُه عن ذهنك » وما زال يُعدِّدُ عليَّ قدرتَه التي هي في نفسي لا أدفعها حتّى ظننتُ أنّه سيظهر فيما بيني وبينه . « 3 »

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 8 ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح 5 ؛ التوحيد ، ص 243 ، ح 1 ، وفيهما « صانعاً » بدل « صانعهما » ؛ الاحتجاج ، ج 2 ، ص 331 . ( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 271 ، الخطبة 185 . ( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 74 ، باب حدوث العالم وإثبات المحدث ، ح 2 ؛ التوحيد ، ص 125 ، ح 4 .